قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

450

الخراج وصناعة الكتابة

جائزا مع هذا يسئل عما لا يخبره كل الخبر ، ولم يقع له تصحيحه بغاية الصحة ، ولا متمكن منه ، فكم من نافذ في شيء يضعف من غيره وما هو بشيء لم يقع له التمهر بسواه حتى أن . . . . . . . . . « 21 » لم يسلم علمه بغيره وتكلف منه مالا يتحقق معرفته لان في طبائع الناس المشاحة في فطرهم والمساماة والمغالبة ، حتى إذا سلم المستشار من كل ما عددته ، وكان مستقيم الرأي غير خطلة ، وسديد التدبير غير مختلة « 22 » ، لم يأمن أن تعرض له آفة أخرى في أن يكون له أرب فيما ليس الصواب للملك قبوله منه ، أما من التعصب لمن يودي عن صدق النصيحة في أمره ، أو المعاداة لمن يحض على مكروهه ويبعث على مساءه وضره ، وإذا خلا من جميع ما عددته ، جاز بعد هذا أن يكون له خليفة في نفسه ، لا تليق بمن يكون على مثلها الرجوع في الرأي الذي يشاور فيه ، إلى ما عنده مثل أن يكون قصير الهمة ، ثم ليستشار في الأمور السامية ، أو يكون جبانا فيشار في الاقدام على الأحوال الخطيرة الهائلة ، أو يكون بخيلا ضنينا ويشاور في صلات من يستحق التوسعة في صلته « 23 » ، وما جانس هذا وشاكله من الخلائق التي تكون في الناس ولا يمكن ضبطها ، ويعجز العالم عن مقاومتها ومقاومة ما فيه منها . فكم من عالم عاقل يعلم أن فيه من الخلائق المذمومة ما هو مبلحا به ويجتهد في الزوال عنه فلا تبلغه قدرته ويعجز عنه محالته فإذا كانت هذه الآفات لاحقة للمشاورين فكيف بتصحيح مشوراتهم وكيف يستخلص حقيقة الصواب من جهتهم الا بأن يكون للملك في النهاية من الفهم والدراية ، حتى يعلم صحة فهم من يشاوره فيما يشاوره فيه ، وتصرف خلائقه في الوجوه الخاصة به وسلامته من أن يدخله في ذلك هوى ، أو يكون له في شيء انحراف أو عداوة . . .

--> ( 21 ) بياض في الأصل . ( 22 ) في س : محتلة . ( 23 ) في س ، ت صلاته .